حسن الأمين

54

مستدركات أعيان الشيعة

أوقع بهم عقوبة القتل . وقد قالها له « لطف علي خان زند » بمسمع من كل الرؤساء والأعيان الذين هم في حاشية « آقا محمد خان » . عندئذ أمر « آقا محمد خان » بإحضار الجلاد فاحضر . فأمره باقتلاع عيني « لطف علي خان زند » . فربط الجلاد يدي الأسير ورجليه على نحو لا يستطيع معه حراكا . ثم نهض « آقا محمد خان » من مجلسه ووقف على رأس الأسير ليستمتع عن قرب بالنظر إلى اجراء العمل الفظيع الذي أمر به . ولعل وقفته هذه هي التي أوهمت بعضهم بأنه هو الذي قام بهذا العمل . ثم اقتلع الجلاد عينيه بأصابعه . وعندئذ قال « آقا محمد خان » مخاطبا « لطف علي خان زند » : الآن دوري في أن أبصق في وجهك ثم بصق على وجهه . ولكن « لطف علي خان زند » لم يسمع كلامه ولا شعر ببصاقه لأنه كان مغمى عليه ! وأعلن « آقا محمد خان » أنه يريد الإبقاء على « لطف علي خان زند » حيا ليستمتع بتعذيبه ، وأنه يريد أن يصحبه معه في أسفاره ماشيا والرسن في عنقه . فقيل له إن حالته لا تسمح بذلك وهو موشك أن يموت ، ولا بد من مداواته إذا أريد له أن يبقى حيا . عندئذ أمر « آقا محمد خان » بمداواته ، وانطلق هو إلى شيراز . ومنعوا عن « لطف علي خان زند » الطعام سوى قليل من الخبز والماء وأقضوا مضجعه . وكان أحيانا يسكن أوجاع محنته بالتغني باشعار « الشيخ محمود الشبستري » أو أشعار العارف « بابا طاهر عريان » ينشدها بنغمة شجية محزنة . ثم أمر « آقا محمد خان » بنقله إلى طهران ، وكان قد عاد إليها من شيراز ، فنقل إليها . وأحدثت إقامته في طهران عطفا في نفوس الطهرانيين عليه . بل كان بعضهم يجاهر بأنه أحق بالملك . فهو وريث « كريم خان زند » . وقد ملك هذا مدة على طهران . وأن إعماء « لطف علي خان زند » لا يمنع من تمليكه عليهم . فان « شاه رخ شاه أفشار » يملك في خراسان وهو أعمى . وقد خشي « آقا محمد خان قاجار » من تطور هذه المشاعر والأحاديث إلى ما لا تحمد عقباه ، فأمر بقتل « لطف علي خان زند » . فربط الجلاد يديه ورجليه ، ثم جاء بخرقة فجمعها على شكل كرة وأدخلها في فمه ودسها في حلقومه وأتبعها بوتد أدخل طرفه في الحلقوم فوق الخرقة وأخذ يضرب على طرفه الآخر بمطرقة من الخارج حتى دخلت قصبة الرئة ، ولم يلبث أن مات . ودفن في مقام « زيد » في طهران وعفي قبره وكان موته سنة 1209 ه‍ . وعمره 29 سنة وبموته انقرض ملك الزنديين . وقد دام ثلاثا وأربعين سنة . حرب « شوشي » في القفقاس في تلك الأيام كان نهر « أرس » الواقع في شمال آذربيجان نهرا إيرانيا . وحد إيران الشمالي خط يمتد من « سوخوم » على ساحل البحر الأسود في جهة الغرب إلى مصب نهر « ترك » في بحر الخزر من جهة الشرق . أما اليوم فان الأراضي الواقعة في جنوب هذا الخط إلى ساحل نهر « أرس » تابعة لما كان يعرق بالاتحاد السوفياتي . وكانت في عهد « آقا محمد خان قاجار » جزءا من أرض إيران . وكان ملوك إيران يقبلون بان يكون حكام الولايات الواقعة في شمال نهر « أرس » من أهلها . وقد ينصبون عليها أحيانا حكاما من أهل تبريز أو قزوين أو أصفهان أو طهران أو غيرها . ولم يكن الملوك يتدخلون في شؤون تلك الولايات الداخلية إلا إذا خرج عليهم أحد حكامها أو امتنع عن تأدية الضرائب إليهم . وكانت تقسيماتها غير ثابتة . ولكنها ، بوجه الإجمال ، كانت تعرف بأسماء « كرجستان » و « أرمينيا » و « قراباغ » . وبعد قتل « لطف علي خان زند » ببضعة أشهر بلغ إلى « آقا محمد خان » خبر بان « إبراهيم خليل خان » حاكم « قراباغ » الملقب ب « جوانشير » قد خرج عليه وامتنع عن أداء ضرائب الولاية إلى عماله وأنه آخذ في تحصين مدينة « شوشي » عاصمة الولاية . فسار إليه « آقا محمد خان » لاخضاعه . ( 1 ) وحاصر عاصمة الولاية مدينة « شوشي » . وخرج « إبراهيم خليل خان » بجيشه من المدينة ووقعت معركة خارج السور كانت خسائرها ، في أصح الروايات ، من قتيل وجريح ، حوالي ألف جندي من عسكر « آقا محمد خان قاجار » ، ومثلهم من عسكر « إبراهيم خليل جوانشير » . ورأى « آقا محمد خان » أن المصالحة خير له من إدامة الحرب ، فأرسل مندوبا عنه إلى « إبراهيم خليل جوانشير » ، يفاوضه على الصلح . وتم الاتفاق على أن يبعث حاكم « شوشي » رسالة إلى « آقا محمد خان » يعلن فيها بطاعته وتادية ما عليه من الضرائب . وأن يعلن بذلك أيضا من على سور المدينة لجنود « آقا محمد خان » . وبعد أن كتب الرسالة وبعث بها إلى الخان القاجاري ، صعد في 19 من شهر المحرم سنة 1209 أو 1210 ه‍ . إلى ظهر السور بحيث يشرف على معسكر « آقا محمد خان » ، وقد لبس كفنا ، و « آقا محمد خان » على ظهر حصانه تحت السور ، ونادى بدخوله في طاعة الملك القاجاري ووعده بان لا يخرج أبدا على إرادته وأن يواظب على أداء ما يترتب عليه من الضرائب . وإذ كان « آقا محمد خان » يتجنب رفع صوته بالكلام لئلا يتبين السامعون ما فيه من خنوثة فيستخفوا به ويسخروا منه ، فقد أناب عنه أحد رجال حاشيته يجيب « إبراهيم خليل جوانشير » بالرضا عنه وتقبل ما أرسله إليه من هدايا ورفع الحصار عن مدينة « شوشي » . وهكذا انتهت هذه الحرب . ( 2 ) نكبة تفليس يقول العقيد الانكليزي « غولدا سميث » إن لانفصال الولايات الواقعة في شمال نهر « أرس » عن إيران سببين اثنين من الأسباب الاجتماعية المعنوية . السبب الأول هو ما ارتكبه « آقا محمد خان قاجار » في « تفليس » من فجائع وفظائع . والسبب الثاني هو انغماس « فتح علي شاه » في الشهوات . وانصرف « آقا محمد خان قاجار » عن « شوشي » في الثالث والعشرين من شهر المحرم سنة 1209 أو 1210 ه‍ . وترك في « قراباغ » ثلاثة آلاف جندي بين راجل وفارس احتياطا من أن يعاود « إبراهيم خليل خان » التمرد ويقوم بحملة عليه من ورائه . وسار قاصدا إلى « هرقل » أمير « كرجستان » لاخضاعه . و « كرجستان » هي الحد الشمالي الأعلى لأرض القفقاس التي

--> ( 1 ) لم نجد ذكرا لتاريخ مسير « آقا محمد خان » إلى محاربة « إبراهيم خان جوانشير » . ولكن يستفاد من بعض النصوص أن « آقا محمد خان » كان أواسط شهر المحرم سنة 1209 أو 1210 هيحاصر مدينة « شوشي » . ( 2 ) ذكرنا في ما مر بعض التفاصيل عن هذه الواقعة .